أحمد بن علي الطبرسي

70

الاحتجاج

الباني ، ولم تشاهده . قال : فما هو ؟ قال : هو شئ بخلاف الأشياء ، ارجع بقولي شئ إلى إثباته ، وأنه شئ بحقيقته الشيئية ، غير أنه لا جسم ، ولا صورة ، ولا يحس ، ولا يجس ، ولا يدرك بالحواس الخمس ، لا تدركه الأوهام ، ولا تنقصه الدهور ، ولا يغيره الزمان . قال السائل : فإنا لم نجد موهوما إلا مخلوقا . قال أبو عبد الله عليه السلام : لو كان ذلك كما تقول ، لكان التوحيد منا مرتفعا لأنا لم نكلف أن نعتقد غير موهوم ، لكنا نقول : كل موهوم بالحواس مدرك بها ، تحده الحواس ممثلا ، فهو مخلوق ، ولا بد من إثبات كون صانع الأشياء خارجا من الجهتين المذمومتين : إحداهما النفي إذا كان النفي هو الإبطال والعدم ، والجهة الثانية التشبيه بصفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف ، فلم يكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعين ، والاضطرار منهم إليه ، أنهم مصنوعون ، وأن صانعهم غيرهم ، وليس مثلهم ، إن كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد أن لم يكونوا ، وتنقلهم من صغر إلى كبر ، وسواد إلى بياض ، وقوة إلى ضعف ، وأحوال موجودة لا حاجة بنا إلى تفسيرها لثباتها ووجودها . قال السائل : فأنت قد حددته إذا ثبت وجوده ! قال أبو عبد الله عليه السلام : لم أحدده ، ولكني أثبته ، إذ لم يكن بين الإثبات والنفي منزلة . قال السائل : فقوله : ( الرحمن على العرش استوى ) ؟ قال أبو عبد الله عليه السلام : بذلك وصف نفسه ، وكذلك هو مستول على العرش بائن من خلقه ، من غير أن يكون العرش محلا له ، لكنا نقول : هو حامل ، وممسك للعرش ، ونقول في ذلك ما قال : ( وسع كرسيه السماوات والأرض ) فثبتنا من العرش والكرسي ما ثبته ، ونفينا أن يكون العرش والكرسي حاويا له ، وأن يكون عز وجل محتاجا إلى مكان ، أو إلى شئ مما خلق ، بل خلقه محتاجون إليه .